أحمد بن محمد ابن عربشاه
357
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وتعريف الرسوم وحدود الدّمن « 1 » صفة الشيح القيصوم « 2 » ، فامتثل الله داد ذلك المثال وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال ، وهو أنه استدعى بعدة أطباق من نقى الأوراق وأحكمها بالإلصاق ، وجعلها مربعة الأشكال ووضع عليها ذلك المثال ، وصور جميع تلك الأماكن وما فيها من متحرك وساكن ، فأوضح فيها كل الأمور حسبما رسم به تيمور ، شرقا وغربا ، بعدا وقربا ، يمينا وشمالا ، مهادا وجبالا طولا وعرضا ، سماء وأرضا ، مرداء وشجراء « 3 » ، غبراء وخضراء ، منهلا منهالا ، ومنزلا منزلا ، وذكر اسم كل مكان ورسمه ، وعين طريقه ووصمه ، بحيث بيّن فضله وعيبه وأبرز إلى عالم الشهادة غيبه ، حتى كأنه شاهده ودليله ورائده ، وجهز ذلك إليه حسبما اقترحه عليه . كل ذلك وتيمور في بلاد الروم يمور وبينهما مسيرة سبعة شهور ، وكذلك فعل ذلك البطل وهو بالبلاد الشامية سنة ثلاث وثمانية ، مع القاضي ولى الدين عمدة المؤرخين أبي هريرة عبد الرحمن بن خلدون ، أغرقه الله في فلك رحمته المشحون ، وقد سأله عن أحوال بلاد الغرب وما جرى فيها من صلح وحرب ، وما وقع فيها من خير وشر ونفع وضر ، ثم أنه اقترح عليه وتقدم بالأمر إليه ، بوضوح أوضاعها ورسم مدنها وقلاعها وحصونها وضياعها وتخطيط ولاياتها ، وأشكالها وهيآتها ، فامتثل ذلك وأبداه ، وعلى حسب ما اختاره واقترحه أنهاه ، وبيّن ذلك مثل ما ذكر أعلاه فشاهد أوضاعها ، وخبر وهادها وبقاعها ، كأن الحائل رفع من البين وعاين عين ذلك الإقليم بالعين ، فانظر إلى هذا الاعتمى وهو سطيح نصف آدمي ، وهمته العالية كالبرق ، تضرب تارة في الغرب وأخرى في الشرق .
--> ( 1 ) حدود الديار . ( 2 ) نبات طيب الرائحة يتداوى به ، رائحته نفاذة . ( 3 ) أي بدون ورق .